محمد طاهر الكردي

475

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

القاضي بوجود الجارية عند بعض فتيانه ، ولم يكن يعرف ذلك ، وحضرت الجارية وسلمها القاضي إلى صاحبها . مات عبد الرحمن وولي الخلافة من بعده ابنه محمد ، وحضر قاضي ماردة يهنئه بالخلافة . وما إن سلم عليه ، حتى تذكر الخليفة موقف القاضي منه ، في قضية الجارية ، وما أظهره من الصلابة في الحق ، والإنصاف في الحكومة فاختاره لقضاء الجماعة بقرطبة ، وسماه قاضي القضاة ، وكان ولاية القصر قد أسندت إلى ( بدرون الصقلبي ) الأثير لدى الخليفة ، ومستودع سره ، وصاحب الرأي الأخير في استشاراته . تقدمت امرأة عجوز ، بين يدي القاضي سليمان تطالب الوالي بدرون برفع يده عن دار تملكها فكتب لها أمرا بالحضور ، وختم عليه وأشار على المرأة بتسليمه إلى الوالي ، ففعل لها بدرون بأنه في خدمة الخليفة ولا يستطيع مواجهتها يومئذ فأمر القاضي بالقبض عيه واقتياده إلى مجلس القضاء ، ولم يبرح المجلس إلا بعد إنصاف المرأة . ها هو هاشم بن عبد العزيز يصف لنا دخول الوالي على الخليفة بعد انصرافه من مجلس القاضي ، قال هاشم : « إني لقاعد يوما بين يدي الأمير إذ دخل بدرون الصقلبي باكيا . فقال له : ما دهاك ؟ فقال له : يا مولاي عرض لي الساعة مع القاضي ما لم يعرض لي مثله قط ، ولوددت أن الأرض انضمت علي ، ولم أقف بين يديه . قال : وما ذاك ؟ قال : دسّت عليّ امرأة تطالبني في دار في يدي ، فأغفل ما كنت إذ جاءتني بطابع القاضي وكنت أنت أمرتني بما تعلمه فاعتذرت إليها ، وقلت : « أنا اليوم مشغول بشغل الأمير أعزه اللّه ، وسأكتب إلى القاضي ، وأستعلم ما يريد » ثم إني أقبلت إلى القصر ، وقد أتيت باب القنطرة ، فإذا برسول من أعوان القاضي بادر إلي فضرب على عاتقي ، وصرفني عن طريقي إليه ، فدخلت عليه في المسجد الجامع ، فوجدته غضبان فنهرني وقال : « عصيتني ولم تأخذ طابعي » . فقلت له : « لم أفعل ، وقد عرفت المرأة بوجه تأخيري » ، فقال لي : « ورب هذا البيت لو صح عندي عصيانك لأدبتك » . ثم قال لي : « أنصف هذه المرأة » . فقلت : « أو كل من يخاصمها عني » فأبى علي إلا أن أتكلم ، فلما رأيت صعوبة مقامي ، أعطيتها بدعواها ، ونجوت بنفسي ، أفيحسن عندك يا مولاي أن يركب مني قاضيك هذا المركب ، ومكاني من خدمتك مكاني ؟ » .